إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

409

الإعتصام

إحدى وثمانين ملة وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة كلها في النار إلا واحدة - قالوا وما هي يا رسول الله قال - الجماعة فإذا تقرر هذا تصدى النظر في الحديث في مسائل : المسألة الأولى في حقيقة هذا الافتراق : وهو يحتمل أن يكون افتراقا على ما يعطيه مقتضى اللفظ ويحتمل أن يكون مع زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه ولكن يحتمله كما كان لفظ الرقبة بمطلقها لا يشعر بكونها مؤمنة أو غير مؤمنة لكن اللفظ يقبله فلا يصح أن يراد مطلق الافتراق بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد لأنه يلزم أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق اللفظ وذلك باطل بالإجماع فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية وأول ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين ثم في سائر الصحابة ثم في التابعين ولم يلعب أحد ذلك منهم وبالصحابة اقتدى من بعدهم في توسيع الخلاف فكيف يمكن أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث وإنما يراد افتراق مفيد وإن لم يكن في الحديث نص عليه ففي الآيات ما يدل عليه قوله تعالى « ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون » وقوله تعالى « إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء » وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على التفرق الذي صاروا به شيعا ومعنى صاروا شيعا أي جماعات بعضهم قد فارق البعض ليسوا على تالف ولا تعاضد ولا تناصر بل على ضد ذلك فان الاسلام واحد وأمره واحد فاقتض أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء ولذلك قال « واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا » فبين أن التاليف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد واما إذا تعلق كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق وهو معنى قوله تعالى « وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله »